استحقاق النظام الليبرالي و ترامب يقلب التاريخ

التاريخ: 16 02, 2017
الوقت: 12:59 مساءً
لوحة لاعلان استقلال الولايات المتحدة

لوحة لاعلان استقلال الولايات المتحدة

ساتل – ملامح المشهد تذوب في التفاصيل، أحيانا. هذا يحدث الآن وسط تصدع النظام الليبرالي في الغرب.

خروج بريطانيا، وحلول دونالد ترمب، والقومية الغاضبة في أماكن عديدة، والسياسات الشعبوية – جميعها يتم الإبلاغ عنها في الإعلام من كثب ومناقشتها بصورة مستفزة. ما يخسر أمام النشاز هو الرؤية الواضحة لهول ما هو على المحك.

رغم كل عيوبها، فإن تسوية ما بعد عام 1945 بشّرت بفترة رائعة من السلام النسبي والازدهار.

يُمكننا جميعا سرد الأخطاء – سواء كانت الغطرسة في واشنطن، أو السياسيين الفاسدين في أوروبا، أو المصرفيين الجشعين في كل مكان. إلا أن الأمر بالنسبة للجزء الأكبر، فقد كانت القصة التي تتحدث عن رفع مستويات المعيشة ونشر سياسات السخاء.

تقدّمت الحرية خطوة في غياب الحرب بين القوى العظمى. غير أن علينا ألا ننسى أيضا بسهولة، أنه لا يوجد شيء حتمي بشأن ضمان مسيرة السلام أو الديمقراطية.

ربما لاحظنا أيضا التآزر بين النظام العالمي القائم على القواعد والمجتمعات المفتوحة المزدهرة. ما يوحّد السلام في الخارج مع الديمقراطية في الداخل هو سيادة القانون.

إذا حلت السلطة التعسفية محل الديمقراطية، فإن الدول تسقط في مسار الحرب والمجتمعات تتراجع نحو الاستبدادية. لهذا السبب ينبغي أن نرتعد عندما يتحدّى ترمب، رئيس أقوى ديمقراطية في العالم، دون اكتراث، حق القضاة في الولايات المتحدة في دعم الحريات الأساسية، ويزدري التعاون الدولي لمصلحة قومية أمريكا أولا.

تم بناء النظام الذي تأسس بعد عام 1945 على قوة الولايات المتحدة. لكنه استمر وتوسّع، بعد الحرب الباردة، لأن قيادة الولايات المتحدة كانت جزءا لا يتجزأ من القواعد والمؤسسات متعددة الأطراف.

كل جهة كانت لها مصلحة مهمة في ذلك. واشنطن أحيانا وصلت إلى أبعد مما ينبغي – في فيتنام أو مع غزو العراق.

معايير مزدوجة بعد جدار برلين

مع ذلك، بحسب معايير التاريخ، فإن حالة السلام التي أشرفت عليها الولايات المتحدة كانت حميدة في الأساس، تعتمد على قوة المثال بقدر القوة العسكرية.
في أوروبا، تم استبدال إرث الحرب بين الدول بنظام يعترف بترابطها. هناك كثير من الأمور الخاطئة في الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تعد شيئا على الإطلاق عند مقارنتها بما حدث من قبل.

لنُقارن السلام والازدهار في النصف الثاني من القرن الـ 20 مع همجية النصف الأول منه. ليس من قبيل الصدفة أنه بمجرد أن سقط جدار برلين، تم اقتناص الحريات المتاحة في غرب القارة بإحكام، من قِبل الدول الشيوعية السابقة في الشرق.

هذا النظام، بالطبع، كان من ابتكار الغرب. إعادة توزيع القوة داخل النظام العالمي دائما ما كانت تفرض حالات من الإجهاد.

دول مثل الصين، كانت من بين أكبر المستفيدين من نظام التجارة المفتوحة بقيادة الولايات المتحدة، لكن بكين لم تكُن ستُسجّل للمشاركة في أنظمة الديمقراطية الليبرالية أو الالتزام إلى الأبد بقواعد ومؤسسات من تصميم الغرب بشكل حصري.

التحدي كان ما إذا كان بالإمكان إعادة النظر في النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي، لاستيعاب طموحات الدول الناهضة، واحتواء الاستياء من روسيا المتراجعة.

ما لم يكُن متوقعا أن الديمقراطيات الغنية يمكن أن تنقلب ضد النظام الذي قامت هي نفسها بإنشائه، والسؤال سيُصبح ما إذا كان بإمكانها إدارة التمرد في الداخل، ضد ما خلقته وتميّزت، بل وامتازت به.

الكتب المقررة تُخبرنا أنه في اللحظة التي يتم فيها إنشاء الانتقال العالمي، فإن القوى التي على شاكلة الولايات المتحدة تدافع عن الوضع القائم، فيما الدول الناهضة مثل الصين تسعى لقلبه.

ترامب يقلب التاريخ

تم قلب التاريخ رأسا على عقب. مع ترمب، انضمت الولايات المتحدة إلى صفوف القوى الرجعية، ما يُهدد بالتخلي عن القيادة العالمية الأمريكية بسبب القومية الاقتصادية.

بريطانيا فعلت شيئا مماثلا من خلال رفض الاتحاد الأوروبي. ألمانيا واليابان وحدهما من يسعيان الآن للتمسك بالنظام القديم متعدد الأطراف.

لائحة الاتهام ضد النخبة الغربية أصبحت الآن مألوفة بما فيه الكفاية. تم تزوير العولمة لمصلحة نسبة 1 في المائة. السياسيون، المفتونون بالأسواق، تآمروا وتشاركوا من أجل السرقة.

أصيبت دخول الأغلبية بالركود حتى في الوقت الذي حملت فيه عبء التقشف بعد الأزمة. المصرفيون الذين ينبغي أن يكونوا في السجن لا يزالون يقبضون المكافآت.

الهجرة غير المقيدة ألقت بمقادير كبيرة من التفكيك الثقافي، وأضافتها إلى انعدام الأمن الاقتصادي الناجم عن التغيير التكنولوجي.

هذه المظالم لا يُمكن الاستهانة بها. رهاب ترمب من الأجانب، والتصويت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وصعود الشعبوية في كل أنحاء أوروبا، تغذّى من تهاون المؤسسة السياسية التي تُسيطر على الرأسمالية غير المقيدة.

كسب ثقة الشعب يتطلب سياسيين من التيار العام لنشر أدوات الحكومة – الضرائب والتعليم وسياسات الرعاية الاجتماعية، وكذلك إعادة التوزيع – لتحقيق التوازن بين تجاوزات العولمة.

على أنه، في المقابل، لا ينبغي أن يدّعي أي أحد أن الشعبويين لديهم الحل.

السياسة الحمائية تؤدي إلى إفقار الجميع. تشويه صورة المسلمين لن يجعل أي أحد آمنا. عدم السماح للمكسيكيين بالدخول أو، فيما يتعلق بهذا الشأن، السباكين البولنديين، لن يرفع المستويات المعيشية للعاملين في الولايات المتحدة أو بريطانيا. المجتمعات المغلقة هي أكثر سوءا، وأكثر فقرا وأكثر قمعية. ارتفاع الشعبوية عادة ما يوفر خلفية للحروب.

الناس تنسى بسهولة. في بريطانيا، التصويت على خروج بريطانيا أثار موجة من الأقنعة الموشاة بألوان وردية. تقول الرواية إن الخمسينيات كانت سنوات قاسية، لكن المجتمعات بقيت متماسكة. كانت هناك وظائف وفرص للطبقات العاملة البيضاء.

لا أحد يأتي على ذكر الأجور التي تصل إلى حد الكفاف، ومساكن الأحياء الفقيرة، ولافتات الفنادق القائلة: “يمنع دخول الكلاب والسود والإيرلنديين”، والوزراء الذين كانوا يدينون ممارسات معينة اليوم بأنها “انحراف معدٍ” يشبه خطره خطر الإدمان على الهيروين. وماذا عن الفرص؟

كانت الجامعات مخصصة لأصحاب الامتيازات الذين يشكلون 5 في المائة من السكان، فحسب. المشكلة في الحنين إلى الماضي، هي أنه يستطيع أن يعمي الأبصار عن التقدم المحرز الآن، بما يجعل مقارنة أوضاع مجتمعات الأمس باليوم قضية عبثية خاسرة وخطيرة.

FINANCIAL TIMES
الاقتصادية

أضف تعليقاً


حقوق النشر محفوظة لموقع (ساتل نيوز) 2014
اعلى الصفحة