تحديات العصر الرقمي .. الآلات تتواطأ وتتلاعب في الأسعار

التاريخ: 11 01, 2017
الوقت: 12:42 مساءً
تحديات العصر الرقمي .. الآلات تتواطأ وتتلاعب في الأسعار

تحديات العصر الرقمي .. الآلات تتواطأ وتتلاعب في الأسعار

ساتل- ديفيد توبكينز ليس هو جون دي روكفلر. لكن هذا المسؤول التنفيذي في قطاع التجارة الإلكترونية غير المعلَن، شأنه في ذلك شأن روكفلر الصناعي المشهور، أثار مخاوف كبيرة بشأن قوانين المنافسة الاقتصادية في العصر الرقمي.

في أول محاكمة جنائية لمكافحة الاحتكار، اعترف توبكينز بالذنب في محكمة فيدرالية في سان فرانسيسكو في عام 2015 بأنه عمل على التلاعب في أسعار ملصقات السينما الكلاسيكية التي تُباع من خلال سوق أمازون على الإنترنت.

حتى وإن كانت الجريمة لا تبدو مثيرة للاهتمام، إلا أن أسلوبه كان ثوريا: اعترف توبكينز بالتلاعب بالسوق من خلال برمجة خوارزميات مخصصة لإبقاء الأسعار مرتفعة بشكل مصطنع. بمجرد أن وافق منافسوه على الخطة، حافظت خوارزميته تلقائيا على ما سمته النيابة العامة “أسعارا غير تنافسية قائمة على التواطؤ” على فن الجدار المطبوع.

في الوقت الذي ينتظر فيه توبكينز معرفة مصيره، بدأت السلطات الأمريكية ونظيراتها الأوروبية تفهم الآثار المترتبة على أدوات الإنترنت المذكورة القوية بشكل متزايد. مبيعات توبكينز المتواضعة من الملصقات تبدو ضئيلة إلى جانب صندوق نفط روكفلر الكبير، الذي أدت حصته البالغة 90 في المائة من السوق إلى أول قانون لمكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة عام 1890. لكن من خلال تسليط الضوء على التكنولوجيات القادرة على تشويه الأسواق بطرق غير مألوفة، فإن محاكمة توبكينز تُعتبر إحدى المعالم المهمة في الاقتصاد الرقمي.

ويليام باير، نائب مساعد المُدّعي العام الرئيس في وزارة العدل، عندما تم كشف النقاب عن اتهام توبكينز، شدد على القول: “لن نتسامح مع السلوك المناهض للمنافسة، سواء كان يحدث في غرفة مليئة بالدخان، أو على الإنترنت باستخدام خوارزميات تسعير معقدة”.

لكن بعض المختصين يقولون إن قوانين مكافحة الاحتكار الحالية، المبنية على نوايا وأفعال البشر، ربما لا تكون كافية لمنع الشركات من استغلال قوتها السوقية في العصر الرقمي.

الأسواق التي يُسيطر عليها “الباعة الآليون” أو روبوتات التسعير الآلية، لن تستجيب للحوافز نفسها، أو تعمل وفقا للقواعد نفسها، كتلك التي تُدار من قِبل أشخاص.

تُشير هذه المخاوف إلى أن وعد الاقتصاد الرقمي بأسعار منخفضة والكثير من الخيارات للمستهلكين يُمكن أن يتبخر. صعود الذكاء الاصطناعي والخوارزميات القوية قد يخلق بدلا من ذلك تكتلات تجارية احتكارية دائمة أقوى، تكون قادرة على المحافظة على أسعار أعلى على حساب المستهلكين وتتحدى أنظمة الإنفاذ التقليدية.

موريس ستوك، المُدّعي العام الفيدرالي السابق لمكافحة الاحتكار، الذي يُدرّس في كلية الحقوق في جامعة تينيسي، يقول: “المخاطر أعلى بكثير في الاقتصاد المدفوع بالبيانات بسبب آثار الشبكة. المنافسة كما نعرفها سوف تتغير”.

لا يوجد دليل
في الوقت الراهن يعتبر معظم المنظمين أن هذا يشكل مصدر قلق مستقبليا. لكن في الوقت الذي تُصبح فيه أنظمة التسعير أكثر استقلالا من أي وقت مضى، فإن المحتكرين الطموحين، مثل توبكينز، في نهاية المطاف لن يحتاجوا حتى للتحدث إلى منافسيهم لتحديد الأسعار. أجهزة الكمبيوتر ستتولى التواطؤ بالنيابة عنهم، سواء من خلال استخدام الخوارزمية نفسها، أو التعلّم من تعاملاتها مع آلات أخرى – كل هذا دون ترك أي أثر وراءها من رسائل البريد الإلكتروني أو رسائل البريد الصوتي التي تورّط صاحبها في جريمة.

بحث نشرته أخيرا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، النادي القائم في باريس الذي يضم معظم البلدان الغنية، أشار إلى: “أن إيجاد طرق لمنع التواطؤ بين خوارزميات التعلّم الذاتي قد يكون واحدا من أكبر التحديّات التي سيواجهها منفّذو قانون المنافسة على الإطلاق”.

هذه الأدوات الرقمية تحسب الأسعار تلقائيا بناء على تقييمات لحظية للعرض والطلب وتعليمات البائع الخاصة، مثل أهداف محددة للأرباح والأسعار.

يقول تيريل ماكسويني، وهو مفوّض لدى لجنة التجارة الفيدرالية في الولايات المتحدة: “نحن نتحدث عن سرعة اتّخاذ القرار الذي ليس هو قرارا إنسانيا في الواقع. جميع النماذج الاقتصادية تستند على حوافز بشرية وما نعتقد أن الإنسان سيفعله بشكل منطقي. من الممكن تماما أن ليس جميع ذلك التعلّم يُمكن تطبيقه بالضرورة في بعض هذه الأسواق”.

استخدام الخوارزميات الذي انتشر أول مرة في قطاعات، مثل التمويل الكمّي، يضرب بجذوره بعمق الآن في قطاعات الطيران والفنادق ومتاجر التجزئة على الإنترنت، مثل أمازون. هذه الخوارزميات تنتشر أيضا بسرعة إلى أسواق أخرى، بما في ذلك النقل والرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية. عملية استحواذ وولمارت على متجر التجزئة على الإنترنت Jet.com مقابل 3.3 مليار دولار في آب (أغسطس) كانت مدفوعة جزئيا بالرغبة في تحسين قدرات الخوارزميات فيها.

وقال تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن ظاهرة البيانات الكبيرة “يمكن أن تُشكّل تحديات خطيرة لسلطات المنافسة في المستقبل، على اعتبار أنه قد يكون من الصعب جدا، إن لم يكُن مستحيلا، إثبات وجود نية لتنسيق الأسعار، على الأقل باستخدام أدوات مكافحة الاحتكار الحالية”.

وأضاف التقرير: “لا سيما في حالات الذكاء الاصطناعي، لا يوجد أي أساس قانوني لإلقاء المسؤولية على مهندس كمبيوتر واتهامه ببرمجة آلة ’تعلّمت ذاتيا‘ (…) كيف تنسق الأسعار مع آلات أخرى”.

الرئيس باراك أوباما وديمقراطيون بارزون، مثل إليزابيث وارن، عضوة مجلس الشيوخ، أعربوا عن مخاوفهم بشأن التراجع الأوسع في المنافسة في الاقتصاد الأمريكي. في نيسان (أبريل) الماضي أصدر مجلس المستشارين الاقتصاديين لأوباما تقريرا أشار إلى زيادة في تركيز الحصة السوقية في قطاعات مثل النقل وتجارة التجزئة والتأمين، وألقى عليها باللوم في تباطؤ النمو في مستويات المعيشة.

وقال البيت الأبيض أيضا قد تكون هناك حاجة إلى تشريعات جديدة لمعالجة مخاوف محددة لمكافحة الاحتكار في الاقتصاد الرقمي. وأضاف التقرير: “إن شفافية الأسعار يُمكن في بعض الحالات أن تُسهّل التواطؤ الضمني من خلال تمكين بعض الشركات من رؤية الأسعار التي تتقاضاها شركات أخرى، وبالتالي تستطيع بسهولة الكشف عن أي انحراف عن الأسعار العالية المُتفق عليها”.

الغرف المليئة بالدخان
المثال الكلاسيكي لتحديد الأسعار في العصر الصناعي تعود جذوره إلى سلسلة من حفلات العشاء استضافها ألبيرت جاري، رئيس مجلس إدارة شركة الصُلب الأمريكية، وسط حالة من الذعر المالي عام 1907.

في القاعة الضيقة المخصصة للرقص في الطابق الأول في فندق والدورف أستوريا في نيويورك، يتذكر أحد الحضور أن الرجال الذين كانوا يسيطرون على 90 في المائة من إنتاج الصُلب في الولايات المتحدة كشفوا لبعضهم بعضا عن معدلات الأجور الخاصة بهم، والأسعار و”جميع المعلومات المتعلّقة بأعمالهم”. هدف جاري كان إضفاء حالة من الاستقرار في الأسعار المتراجعة. رفعت الحكومة في وقت لاحق دعوى، مُشيرة إلى أن أحاديث حفلات العشاء – الأولى في عدة حفلات على مدى أربعة أعوام – أظهرت أن شركة الصُلب الأمريكية كانت بمثابة احتكار غير قانوني.

الخوارزميات تلغي الحاجة لمثل هذا التآمر وجها لوجه. أدوات التسعير تطوف الإنترنت للحصول على أسعار المنافسين، وتتسلل إلى قواعد بيانات المُلكية للحصول على بيانات الطلب التاريخية ذات الصلة، وتُحلل المعلومات الرقمية، وتصل إلى حلول التسعير في غضون أجزاء من الثانية – أسرع بكثير مما يُمكن أن يفعله أي تاجر بشري.

هذا، من الناحية النظرية، ينبغي أن يؤدي إلى أسعار منخفضة وخيار أوسع للمستهلكين. الخوارزميات لا تُثير مخاوف مكافحة الاحتكار إلا في ظروف معينة، مثل عندما تكون مصممة صراحة لتسهيل التواطؤ أو مماثلة تحركات الأسعار من قِبل المنافسين.

يقول جون سالتش، مسؤول التكنولوجيا في شركة بروس هولدينجز لبرامج التسعير، التي يوجد مقرها في هيوستن: “إذا كان الهدف هو ممارسة أمور سيئة، فإن الأنظمة الآلية والخوارزميات يُمكن أن تُساعدك بشكل أسرع”. ومن رأيه أن مثل هذه الاستراتيجيات غير قابلة للاستدامة. لكن في العام الماضي حذّرت الجهات التنظيمية في ألمانيا من أن آثار الخوارزميات المتطورة التي تمنع المنافسة يُمكن أن يكون من الصعب إحالتها إلى القضاء. وطالب تقرير أصدره مجلس اللوردات في المملكة المتحدة العام الماضي المفوضية الأوروبية بإجراء بحوث إضافية حول آثار الخوارزميات في المنافسة، مُشيرا إلى “احتمال سلوكيات مناهضة للمنافسة” و”أشكال جديدة من التواطؤ”. يقول ستوك الذي أطلع مسؤولي مكافحة الاحتكار في واشنطن وبروكسل في أواخر العام الماضي على آخر المستجدات: “هذا مصدر قلق فوري. قد تكون لدينا نتيجة مناهضة للمنافسة دون أن يكون لدينا بالضرورة تحديد أسعار يقع تحت طائلة مكافحة الاحتكار”.

مثلا، يستشهد ستوك بتطبيق البرمجيات الألماني الذي يتعقب الأسعار في محطات البنزين. تُشير النتائج الأولية إلى أن التطبيق يُعيق خفض الأسعار من قِبل تجار التجزئة، من خلال إبقاء الأسعار أعلى مما يُمكن أن تكون خلافا لذلك. ولأن الخوارزمية تكشف على الفور أي تخفيض للأسعار من محطات البنزين، ما يسمح للمنافسين بمماثلة السعر الجديد قبل أن يتمكن المستهلك من التحوّل إلى المحطة التي توفر الخصم، لن يكون هناك أي حافز لأي تاجر للتخفيض في المقام الأول.

هذا الأمر يشير إلى أن توافر المعلومات الكاملة، وهي السمة المميزة لنظرية السوق الحرة، قد يتسبب في الإضرار بالمستهلكين بدلا من تمكينهم. إذا تم تأكيد المخاوف، فإن الافتراض الأساسي للاقتصاد الرقمي – أن التكنولوجيا تُخفّض الأسعار وتوسّع الخيارات – يُمكن أن ينقلب رأسا على عقب. هناك مثال صارخ حدث في عام 2011، عندما أخطأ زوج من خوارزميات التسعير بخصوص كتاب جامعي مقرر عن البيولوجيا التطورية يُباع على أمازون. في غضون أيام، كتاب “كيفية تشكيل الذبابة: علم الوراثة لتصميم الحيوانات”، الذي يُباع مقابل نحو 113 دولارا، ارتفع كثيرا إلى أكثر من 23 مليون دولار – بفضل التفاعل بين أدوات تسعير خاطئة استخدمها اثنان من البائعين كطرف ثالث.

الخوارزمية الأولى حددت تلقائيا سعر نسختها من الكتاب بمقدار 1.27059 مرة ضعف سعر البائع الثاني، في حين أن ذلك البائع في المقابل حدد سعره بمقدار 0.9983 مرة ضعف سعر البائع الأول. عدم وجود سقف مُبرمج للأسعار سمح بهذا الارتفاع العرضي. كتب مايكل آيزن، عالِم الأحياء في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، في مدونته: “الأمر المُثير بشأن كل هذا هو الاحتمالات التي تبدو بلا نهاية لكل من الفوضى والأذى”.

كتاب بملايين الدولارات
كتاب جامعي مقرر بسعر 23 مليون دولار بحد ذاته هو حكاية مسلية، وليس انتهاكا لقوانين مكافحة الاحتكار. لكن قضية توبكينز، جنبا إلى جنب مع قضية أقامتها الحكومة الأمريكية ضد شركة على الإنترنت في المملكة المتحدة، تقدّم لمحة عن مخاوف مكافحة الاحتكار الناشئة في الاقتصاد الرقمي.
سوق الملصقات ينبغي أن تكون مرشحا ضعيفا لتثبيت الأسعار. المنتجات غير متجانسة وبالتالي من الصعب المقارنة بينها، والمبيعات كانت نادرة، وتعقب أسعار الباعة الآخرين من الممكن أن يستغرق وقتا طويلا، كما يقول سليل مهرا، الأستاذ في كلية بيزلي للحقوق في جامعة تِمبِل، الذي صاغ مصطلح “الباعة الآليين”.

لكن القدرة على مراقبة أسعار الباعة الآخرين من خلال البرامج جعل الاتفاق على تحديد الأسعار ممكنا. هناك ديناميكية مماثلة يتم عرضها في قاعة محكمة فيدرالية في نيويورك، حيث جادل سبنسر ماير، أحد زبائن أوبر، بأن استخدام خوارزمية تحديد الأسعار من قِبل سائقي الخدمة، الذين يعملون مقاولين مستقلين، تؤدي إلى “سلوك كلاسيكي مناهض للمنافسة”.

وجادل ماير في دعوى جماعية مقترحة أن أوبر ورئيسها التنفيذي، ترافيس كالانيك، جمعوا أرباحا عالية بشكل مصطنع من خلال “رفع الأسعار” – وهي عملية ترفع الأسعار في لحظات ارتفاع الطلب – التي ولّدتها خوارزمية أوبر. قال ماير في الدعوى التي قدّمها للمحكمة: “خوارزمية تسعير كالانيك تلاعبت بشكل مصطنع بالعرض والطلب من خلال رفعه التسعير على السائقين الذين خلافا لذلك قد يتنافسون ضد بعضهم بعضا على السعر”. ماكسويني، من لجنة التجارة الفيدرالية، كانت في طليعة الذين أثاروا التحذيرات بشأن تأثير الخوارزميات. تقول: “إنه فعلا، بمثابة أحد التخوم المجهولة الآن بالنسبة لنا”.

في الوقت نفسه، من المُقرر أن يتم الحُكم على توبكينز في 16 آذار (مارس). وينتظر أن يدفع غرامة لا تزيد على 28750 دولارا وقد ينجو من السجن من خلال التعاون مع التحقيق في سوق فن الجدران، وذلك وفقا لاتفاقية لائحة جوابية وقعها مع المحكمة. ماكسويني تتوقع مزيدا من القضايا التي من هذا القبيل، وستوك وإزراتشي يقولان إن قواعد مكافحة الاحتكار الحالية، التي تم تطويرها للسيطرة على القوة السوقية التي كان يتمتع بها عمالقة القرن الـ 19، ربما تكون غير كافية في الاقتصاد الرقمي.

تتساءل ماكسويني: “ما الذي يحدث إذا أدركت الآلات أن من مصلحتها رفع الأسعار بشكل منتظم وسريع وبطريقة منسّقة؟ ماذا سيحدث حينئذ؟”.

أضف تعليقاً


حقوق النشر محفوظة لموقع (ساتل نيوز) 2014
اعلى الصفحة