«جيو-ريلاينس» تعيد تشكيل سوق الاتصالات في الهند

التاريخ: 16 02, 2017
الوقت: 12:35 مساءً
انترنت بالمجان في شوارع بومباي بالهند

انترنت بالمجان في شوارع بومباي بالهند

ساتل – في الوقت الذي يسارع فيه 70 مليون عميل لاغتنام فرصة الحصول على العرض المجاني للبيانات، يخشى المحللون من أن حرب الأسعار المترتبة على ذلك ستتسبب في “إلحاق أضرار هائلة” بالقطاع.

في صباح بارد في مقاطعة دارافي الفقيرة الضخمة في مومباي، يجلس براكاش بابو على مقعد على قارعة الطريق بجوار باقات مكدسة من أوراق شجر الموز، ويعمل على تحميل مقاطع فيديو في هاتفه الذكي الصيني الجديد.

كان بابو قد اشترى الهاتف هذا الشهر من خلال صفقة غير عادية قدمتها شركة ريليانس للصناعات – وهي مجموعة هندية لمنتجات النفط، تقدم خدمات بيانات وخدمات صوتية مجانية عبر الهواتف المحمولة على الصعيد الوطني لمدة ستة أشهر من خلال خدمة جيو الجديدة، في الوقت الذي تحاول فيه شق طريقها في قطاع الاتصالات المزدحم في البلاد.

هذا الرجل البالغ من العمر 33 عاما، الذي غادر ولاية تاميل نادو الجنوبية قبل عام ليعمل في قطاع الطباعة في مومباي، أصبح قادرا الآن على مشاهدة مقاطع الفيديو الموسيقية التي تذكره بالوطن، بحسب ما يقول، في الوقت الذي يبقى فيه على تواصل مع أصدقائه البعيدين، وعائلته من خلال تطبيقات المراسلة.

يقول: “حتى في دياري أيضا، جميع أهل القرية يستخدمون هذه الخدمة. كل سكان الهند يستفيدون من خدمة جيو”.

بابو هو واحد من أكثر من 70 مليون هندي ممن سارعوا للاستفادة من أكبر رهان تقدمه الشركات في تاريخ البلاد.

فقد كرست شركة “ريلاينس” للصناعات، التي يترأسها موكيش أمباني، أغنى رجل في الهند، أكثر من 25 مليار دولار في هجوم للدخول في قطاع الاتصالات في البلاد، حيث أعلنت دخولها في القطاع من خلال حملة ترويج على نطاق لم يسبق له مثيل.

الخدمات المجانية المقدمة من قبل شركتها التابعة جيو، التي بدأت أثناء انطلاقها في أيلول (سبتمبر) الماضي، من المقرر أن تستمر حتى شهر آذار (مارس) المقبل، وربما حتى لفترة أطول، بحسب ما ألمح أحد التنفيذيين في شركة جيو هذا الشهر.

جاء إطلاق هذه الخدمة بعد ست سنوات من الاستثمار التأسيسي على نطاق لم يشهده من قبل قط قطاع الاتصالات العالمية: بعد ضخها مبلغ 300 مليار روبية (4.4 مليار دولار) لشركة جيو الأسبوع الماضي، ستكون مجموعة ريليانس قد استثمرت مبلغ تريليوني روبية في تلك الشركة التابعة لها.

وقد عملت المهلة الطويلة التي أعقبها تقديم خدمة جيو على إثارة التهكم من بعض المنافسين في قطاع تقوده الشركات المحلية بهارتي إيرتل وأيديا للهواتف الخلوية، وشركة فودافون التي يوجد مقرها في المملكة المتحدة.

يقول تنفيذي كبير في إحدى الشركات المنافسة: “لا تقل لي إن خطته الأصلية كانت تنطوي على إطلاق الخدمة في غضون ست سنوات. دعونا نقر بأنه كان يمكن أن يرتكب الكثير من الأخطاء ويهدر الكثير من المال”.

وقد رفض أمباني مثل هذه التعليقات الساخرة بحجة أن الاستثمارات الهائلة تمنح شركة جيو شبكة تتفوق على منافسيها، ما يمكِّن الناس في جميع أنحاء الهند من الوصول إلى بيانات عالية السرعة.

ثاني اكبر سوق

وعمل تقديم تلك الخدمة على إلقاء ظل على التوقعات المالية لقطاع يعاني بالأصل بسبب الديون الثقيلة وتقلص هوامش الربح.

كما أنها فتحت المجال لحرب كلامية مريرة بين شركة جيو وشركات التشغيل الحالية، حيث يتهم كل طرف الطرف الآخر بارتكاب مخالفات أثناء كفاحهم للفوز بسوق الهواتف المحمولة في الهند – أحد أكبر الجوائز في قطاع صناعة الاتصالات العالمي.

من المتوقع أن تتجاوز الهند الولايات المتحدة هذا العام، لتكون ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية من خلال المبيعات، وفقا لبنك مورجان ستانلي.

وقد عمل أمباني على إثارة حرب الأعصاب هذه في الأول من أيلول (سبتمبر) الماضي، من خلال خطاب المنتصر الذي ألقاه ليحيي مساهمي شركة ريليانس في مومباي. حيث قال: “نحن في بداية عهد جديد ولا يمكن للهند تحمُّل أن تكون بلدا متخلفا عن الآخرين”.

كما قال إنها حتى بعد أن بدأت تتقاضى الرسوم على العملاء، فإنها ستقدم خدمة البيانات المحمولة بأسعار أرخص من قبل، من خلال شبكة (الجيل الرابع) الأحدث، في الوقت الذي ستكون فيه المكالمات الصوتية غير المحدودة دائما متاحة دون زيادة في التكاليف.

تعرض الشعب الهندي لحملة دعاية خاطفة عند إطلاق الخدمة، تميزت بإعلانات في الصحف تستخدم صورة رئيس الوزراء ذائع الصيت ناريندرا مودي، دون السعي للحصول على إذن من مكتبه، بحسب ما تم إبلاغ البرلمان في وقت لاحق.

في جميع أنحاء البلاد، ظهرت طوابير طويلة خارج المحال التي تبيع بطاقات جيو الخلوية، ما يدفع قسم العلاقات العامة في الشركة لمقارنة شعبية هذه الخدمة بشركة أبل. بحلول نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، اشترك في خدمة جيو ما يصل إلى 72 مليون مستخدم.

سارعت الشركات المنافسة للرد على ذلك، بخفضها الأسعار في محاولة لإيقاف عمليات الفرار إلى شركة جيو.

من المتوقع أن حرب الأسعار الناشئة في السوق ستتسبب في “ألم هائل يجتاح القطاع بأكمله في المستقبل القريب، في الوقت الذي يلعب فيه دور بابا نويل مع المستهلكين”، بحسب ما يقول روهيت تشورديا من شركة كوتاك للأسهم المؤسسية.

ظهر مؤشر على هذا الضرر عندما أفادت شركة بهارتي إيرتل بوجود انخفاض في صافي الأرباح بنسبة 55 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأخير من عام 2016. أصدرت شركة فودافون تحذيرا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عندما شطبت مبلغ 6.3 مليار يورو من قيمة أصول الشركة الفرعية الهندية التابعة لها.

تسعى شركة إيرتل للحصول على تعويضات قانونية ضد شركة جيو: في الأول من شباط (فبراير) الماضي، ستستمع محكمة عامة لادعاءاتها بأن خدمة البيانات المجانية التي قدمتها شركة جيو هي سلوك “افتراسي” يقصد به “إخراج المنافسة من السوق”.

في المقابل، تدعي جيو أن شركات التشغيل الحالية قيدت بشكل غير قانوني المكالمات الواردة من قبل عملاء جيو، ما أسفر عن أعداد كبيرة بشكل غير عادي من “الانقطاع في المكالمات”.

مع ذلك، وفي وسط هذه الحدة، يقول اثنان من التنفيذيين في الشركات المنافسة إن منحة جيو رفيعة المستوى يمكن أن تتحول لتصبح محركا لتحقيق أرباح جديدة مجزية في الصناعة بأكملها، من خلال تعزيز الطلب على بيانات الهواتف المحمولة.

في الوقت الذي بلغ فيه عدد الهواتف الذكية في الهند 278 مليون هاتف بحلول آذار (مارس) من العام الماضي، كان أقل من نصف تلك الهواتف مزودا بشبكة اتصال بالإنترنت من نوع الجيل الثالث أو الجيل الرابع، وفقا للمحللين في شركة سي إل إس إيه، الذين يتوقعون أن تزداد إيرادات القطاع بسبب خدمات بيانات الإنترنت بنسبة 30 في المائة سنويا على مدى العامين القادمين.

مع ذلك، سيرغم تقديم تلك الخدمات الشركات المشغلة على إجراء عملية تحديث مكلفة بشكل هائل لشبكاتها.

رئيس شركة ريليانس للصناعات موكيش أمباني أغنى رجل في الهند

رئيس شركة ريليانس للصناعات موكيش أمباني أغنى رجل في الهند

 

طلب هائل

يقول آنكيت أجاروال، رئيس أعمال الاتصالات في “ستيرلايت للتكنولوجيا”، التي تتنبأ بطلب هائل على شبكات الألياف المتوافرة لديها عندما ترفع الشركات المشغلة للشبكات من استثماراتها في البنية التحتية بشكل كبير: “ليس أمام تلك الشركات أي خيار، سوى بقاء على قيد الحياة الآن”.

يتوقع المحللون لدى “سي إل إس إيه” في مومباي بأن الشركات ذات الأداء الضعيف في القطاع ستفشل وتخرج من حرب الإنفاق على البنية التحتية هذه، ما يؤدي إلى تسريع موجة الدمج وتصويب الأوضاع التي بدأت العام الماضي، ويمكن أن تتسبب في نهاية المطاف في إحداث انتعاش في هوامش الربح بالنسبة للشركات الناجية.

حتى في الوقت الذي تضطر فيه شركة جيو منافسيها لإحداث انعكاس في خطط الأعمال لديهم، إلا أنها ستظل تواجه أسئلة تتعلق بمنتجها هي، كما يقول جايانث كولا، الشريك المؤسس لشركة الاستشارات Convergence Catalyst، ويحذر من أن التراجع في عدد المكالمات، الذي تلقي فيه شركة جيو باللوم على الشركات المنافسة، ربما ينبع أساسا من المشكلات التي تصاحب التعطل المعتاد عند تشغيل شيء جديد، الذي هو شبكة جيو في هذه الحالة. وهو يلاحظ أن جيو دخلت منطقة غير مألوفة من خلال إنشاء شبكة تعتمد اعتمادا تاما على الجيل الرابع (الذي تم تطويره في الدرجة الأولى من أجل خدمات البيانات) من أجل حمل المكالمات الصوتية، دون وجود أية أرضية من أنظمة الجيل الثاني أو الثالث لدعمها.

مع ذلك، بعد أن استثمرت الشركة أكثر من نصف الرسملة السوقية لثاني أكبر شركة مدرجة في الهند ووضعتها في المشروع الجديد، يتفق محللو الصناعة والتنفيذيون فيها على أن أمباني لم يعد شيئا خارجا عن المألوف في قطاع الاتصالات وأن وجوده سيصبح مقبولا. يقول تنفيذي رفيع سابق في شركة تشغيل منافسة: “لا يستطيع الانطلاق، لذلك هو يواصل مضاعفة جهوده. لا يستطيع أن يتحمل عدم إعلان النصر”.

FINANCIAL TIMES
الاقتصادية

 

أضف تعليقاً


حقوق النشر محفوظة لموقع (ساتل نيوز) 2014
اعلى الصفحة